السيد عباس علي الموسوي
196
شرح نهج البلاغة
تزجر عنه ، أو تدعو إليه ، فرضاه فيما بقي واحد ، وسخطه فيما بقي واحد . واعلموا أنهّ لن يرضى عنكم بشيء سخطه على من كان قبلكم ، ولن يسخط عليكم بشيء رضيه ممّن كان قبلكم ، وإنّما تسيرون في أثر بيّن ، وتتكلّمون برجع قول قد قاله الرّجال من قبلكم . قد كفاكم مئونة دنياكم ، وحثّكم على الشّكر ، وافترض من ألسنتكم الذّكر . الوصية بالتقوى وأوصاكم بالتّقوى ، وجعلها منتهى رضاه ، وحاجته من خلقه . فاتّقوا اللّه الّذي أنتم بعينه ، ونواصيكم بيده ، وتقلّبكم في قبضته . إن أسررتم علمه ، وإن أعلنتم كتبه ، قد وكّل بذلك حفظة كراما ، لا يسقطون حقّا ، ولا يثبتون باطلا . واعلموا « أنَهَُّ مَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » من الفتن ، ونورا من الظّلم ، ويخلدّه فيما اشتهت نفسه ، وينزله منزل الكرامة عنده ، في دار اصطنعها لنفسه ، ظلّها عرشه ، ونورها بهجته ، وزوّارها ملائكته ، ورفقاؤها رسله ، فبادروا المعاد ، وسابقوا الآجال ، فإنّ النّاس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ، ويرهقهم الأجل ، ويسدّ عنهم باب التّوبة . فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم ، وأنتم بنو سبيل ، على سفر من دار ليست بداركم ، وقد أوذنتم منها بالارتحال ، وأمرتم فيها بالزّاد . واعلموا أنهّ ليس لهذا الجلد الرّقيق صبر على النّار ، فارحموا نفوسكم ، فإنّكم قد جرّبتموها في مصائب الدّنيا . أفرأيتم جزع أحدكم من الشّوكة تصيبه ، والعثرة تدميه ، والرّمضاء تحرقه فكيف إذا كان بين طابقين من نار ،